عبد الملك الجويني

438

نهاية المطلب في دراية المذهب

إلا الجمعَ بين المعاملتين . وقد ذكرتُ في ( الأساليب ) ( 1 ) طريق الجمع ، وحظُّ المذهب ( 2 ) منه : أنه يكثر في الناس ملاك النخيل الذين لا يحسنون العملَ عليها ، [ وإن أحسنوه ، لم يريدوا تعاطيه ، وفوائد النخيل تتعلق بعمل المتفقِّدين وتعهد القائمين عليها ] ( 3 ) ولن يحرص العامل على توفية العمل ، حتى يكون له حظٌّ من الثمار ، وهذا المعنى يتحقق في الاتِّجار ، فإنه يقلّ في الناس من يستقلّ بمعرفة التجايرِ ( 4 ) والكَيْس فيها ، فكانت المقارضة مَرْفقاً بين مَنْ لا مال له ، وبين من لا علم له بالتجارة . وقال قائلون : مستند الإجماع في القراض حديثُ عبد الله وعبيد الله ابني عمر ، قيل : رجعا من غزوةِ ( نهاوند ) فمرّا بالعراق ، وعليها أبو موسى الأشعري ، فقال : إني أريد أن أصلَكما بشيء ، وليس في يدي ما أصلكما به ، وإنما معي مائة ألف درهم من مالِ بيت المال ، أدفعها إليكما ، اشتريا بها سلعة ، وتبيعانها بالمدينة وتردّان رأس المال على أمير المؤمنين ، والربحُ لكما ، فأخذاها ، واشتريا بها من أمتعة العراق ، فربحا عليها بالمدينة ربحاً كثيراً ؛ فقال لهما عمر : أَوَ أسلف كلَّ الجيش مثلَ ما أسلفكما ؟ فقالا : لا . فقال : أنْ كنتما ابني أمير المؤمنين ، لا أراه فعل ذلك إلا لمكانكما مِنِّي ! رُدَّا الربحَ في بيت المال ، فسكت عبد الله بنُ عمر ، وراجع عبيد الله أباه ، وقال : يا أمير المؤمنين أليس لو تلف ، لكان من ضماننا ؟ فقال : بلى ، فقال عبيد الله : الربحُ لنا إذاً ، أشار إلى أن الخراج بالضمان ، فسكت عمر ، ثم قال مِثلَ قوله الأول ، فراجعه عُبيد الله ثانياً ، وأعاد قوله الأول ، فقال عبدُ الرحمن بنُ عوف : لو جعلته قراضاً على النصف يا أمير المؤمنين ، فأخذ منهما نصفَ الربح ، وترك النصف في أيديهما ( 5 ) وتعلق العلماء بقول عبد الرحمن : لو جعلته قراضاً ، وقالوا : التقريرُ على ذلك ، والعملُ بحكمه يدل على أن القراض كان معلوماً فيهم . وليس في

--> ( 1 ) من كتب إمام الحرمين في الخلاف ، ولم نصل إلى خبر عنه للآن . ( 2 ) المذهب : المراد به هنا : هو هذا الكتاب ، فكأنه قال : وحظ هذا الكتاب . ( 3 ) زيادة من : ( ي ) ، ( ه‍ 3 ) . ( 4 ) التجاير : جمع تجارة ، وزن : رسالة ورسائل ، وسُهِّلت الهمزة كما هو الشأن في لغة هذا الكتاب . ( 5 ) حديث ابني عمر ، رواه مالك في الموطأ : 2 / 687 - كتاب القراض ، والدارقطني : 3 / 63 ، ورواه الشافعي عن مالك ، انظر تلخيص الحبير : 3 / 127 ح 1303 .